الشهيد : وليد مصطفى .. حينما تتجسد الملائكية في بشر
ا / إسلام فرحات
هو "وليد مصطفى عبد المنعم"، تسع و ثلاثون سنة، من قرية كوم حلين
بمركز منيا القمح محافظة الشرقية.. حاصل على ليسانس الخدمة الاجتماعية، ويعمل في
شركة خاصة.. متزوج ولديه ثلاثة اطفال
ذاك هو التعريف المبدئي لأي شخصية يمكن ان تكتب عنها، لكن الكتابة عن وليد
تحتاج إلى استجماع القدرة على الصياغة، والحفاظ على وضع الألفاظ في موضعها حتى لا
يستشعر القاريء من فرط المدح أنك تكتب عن ملاك وليس بشرا...
نعم.. الملائكية صفة وليس مادة محسوسة، لكن ومع "وليد" تستشعر أن
ذاك الثابت العقلي قد تبدل.. فقد أصبحت الملائكية محسوسة متجسدة.. فالصفاء عنوانه،
والإخلاص طبعه، والشفافية ديدنه، والعفو والصفح والحب سجيته..
كان أصفى من الماء في صفحة النهر ساعة الغروب، عرفته كذلك ولا أزكيه على
الله فهو حسيبه، ما رأيته يوما إلا مبتسما، وما عرفته إلا عفوا عمن أساء إليه،
محبا لكل الناس، حريصا على مصالحهم، معلما الشباب الصغار كيف يكون الحب، وكيف يكون
الانتماء إلى الله اولا ثم إلى الوطن بكل ألامه واوجاعه بل وقسوته على البررة من
أبنائه أحيانا كثيرة..
في الأيام الأولى من رابعة وقبيل الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو كان
هناك مرابطا.. كنت أذهب إليه اوقاتا متفاوتة.. ما هذه الروح الرائعة التي رأيتها،
ما هذا الألق القلبي الذي شاهدته، ضاحك السن، مازحا مع إخوانه وكأنه في رحلة،
دؤوبا في نوبات حراسته على بوابات رابعة، جادا في التعامل وقت الحراسة وكانه على
ثغر وقت حرب!!
سألته عن مشاعره وإحساسه بالقادم، وكنت أستشعر خطرا بعد مهلة الثمانية
والاربعين ساعة المشهورة.. فوجدته يحدثني في شيء آخر.. احاول أن أجره إلى مناطق
التحليل السياسي فأجده مصرا على مشاعره الطفولية الرائعة قائلا: " أنا ميفرقش
معايه كل الكلام ده.. أنا خليني أعيش لحظتي وأنفذ واجباتي والمستقبل ده بتاع ربنا،
وبعدين انا متفائل جدا باي وضع إن شاء الله"...
ألم أقل لكم إن الملائكية تجسدت.. هكذا الإنسان حينما تصفو عقيدته وتعلو
همته وتقوى عزيمته تستوي عنده كل الأحداث، فهو يراقب واجباته ليفعلها بإتقان تاركا
النتائج لله عز وجل.. وتلك هي طبيعة صنف من الإخوان الذين تربوا هذه التربية
العالية فصادفت نفوسا متألقة موصولة بالله عز وجل، فاعادت للامة سيرة حنظلة
وجليبيب ومغامير الصحابة الذين ارتقوا إلى الفردوس بهذه الروح الوثابة.
وعاد من رابعة.. عاد معي قبيل إعلان الانقلاب بيوم، وبعد الانقلاب بيوم
وتحديدا يوم الرابع من يوليو تمت الدعوة لمظاهرة حاشدة في مدينة الزقازيق، فكان اول
الملبين، ذهب وكله همة وعزيمة، وقبيل ذهابه وكأنه كان يستشعر بصفاء روحه ما سيحدث
ودع والدته وداعا لم يودعها إياه من قبل، وذهب ليلقى ربه على يد بلطجية النظام..
لكن العجيب أنه وحتى في موته أراد أن يحقق تلك الملائكية العالية، أو
البشرية الحقيقية في اعلى صور ألقها، فقد اكد من شاهدوا واقعة استشهاده أنه كان في
مأمن لكنه رأى مجموعة من البلطجية وقد تحلقوا حول بعض الاخوات، والكل يسرع لينجو
بنفسه، فأبى أن يترك هؤلاء فريسة فاندفع نحوهن يحاول تخليصهن، وبالفعل نجح في ذلك،
لكن البلطجية تجمعوا عليه وانهالوا عليه ضربا بآلات حادة وسلاح أبيض حتى أوقعوه ثم
حملوه ورموا به في البحر..
إنها ميتة الشرفاء المقبلين غير المدبرين، إنها مكافأة الله لعبده
"وليد" الذي ارتفع بأخلاقه ليصير فيما نحسب والله حسيبه أفضل من
الملائكة، بهذا السمو الاخلاقي، وهذا الدأب في تنفيذ ما عليه من واجبات، وهذا
الترفق في طلب ما له من حقوق.....
رحمك الله يا "وليد " بقدر حبك لدينك ودعوتك، رحمك الله يا وليد
بكل حرف خطته يداك تدل الناس فيه على الخير وتحيي فيه سنة من سنن نبيك العظيم،
رحمك الله بحق من احبك من شباب الدعوة الذين وجدوا فيك الصديق والمربي، رحمك الله
بحق جرأتك في الحق وحيائك في طلب ماهو لك.. رحمك الله بحق أطفالك الذين تركتهم
مقبلا غير مدبر، رحمك الله لأنه هو الرحمن الرحيم..
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
إرسال تعليق